ريحانة القلب
07-30-2025, 05:24 AM
في أطراف مدينة قديمة تحفها الأسواق وتتوسطها الحوانيت الضيقة، كان يعيش رجل يُدعى "زياد الحنفي"، يعمل جزارًا ورث المهنة عن أبيه وجدّه. كان زياد رجلاً صلب الجسد، كث اللحية، ذو وجه مكفهر لا تفارقه الجدية، ولكنّ قلبه كان طيّبًا كلبن الماعز الطازج، لا يعرف المراوغة ولا يجيد الحيلة. عاش حياته في حيّ البدرية، حيّ شعبي يعرف سكانه بعضهم البعض كما تُعرف الخطوط في كف اليد.
وذات ظهيرة قائظة من أيام الصيف، وبينما كان زياد يقطّع ضلعاً ضخماً من لحم البقر، تطايرت شظية حادّة من العظم، وانغرست في عينه اليسرى. لم يشعر حينها سوى بوخز حاد كالإبرة، تلاه ألم أشبه بجمرة تستقر في حدقة العين، ودموع سخينة تنهمر بلا إذن.
لم يكن في الحي مستشفى، ولا عيادة متخصصة، وكان الفقراء حينها، إن أصيبوا، قصدوا "الحلاقين" لا الأطباء، فالحلاق كان عندهم موسى وابن سينا في آن واحد. فرك زياد عينه بكم ثوبه، وأمسك عصاه، واتجه فوراً إلى "الشيخ يونس"، الحلاق العجوز الذي طالما اشتهر بتطبيب الجروح وكيّ الحروق وتنظيف الخراجات.
كان الشيخ يونس يجلس في دكانه الضيق، بين جدران مغطاة بالمرايا القديمة وأمشاط الخشب وعبوات الزيوت الشعبية. رفع عينيه حين رأى زياد يدخل يئن ويئن، فابتسم مطمئنًا وقال:
— أهلاً يا أبا معاذ، ما بك؟ تبدو كمن اشتبك مع طائر جارح.
أجابه زياد وهو يتألم:
— شظية من عظم البقر طارت إلى عيني، وكأنها سهم من سهام القدر، ما عدت أرى بها شيئًا، والدمع لا يفارقها.
اقترب الشيخ منه، أمسك رأسه بيدين خبيرتين، وأمعن النظر في عينه المصابة، ثم قال:
— بسيطة، بسيطة إن شاء الله. لا حاجة للخوف، سنعقمها ونضع لها مرهمًا، وغدًا ستكون أفضل.
جلس زياد على الكرسي الخشبي، وبدأ الشيخ بتعقيم العين وتضميدها بقطعة قماش مبللة بمحلول عشبي. وفي اليوم التالي، عاد زياد، وهو يحمل بيده كيسًا كبيرًا فيه كيلو من اللحم وكبدة مشوية، وقال:
— هذا عربون شفاء، ولك مثله كل يوم حتى تطيب عيني.
وهكذا، بات زياد يقصد الحلاق كل صباح، حاملاً معه صنوفًا من اللحوم والكبد والقلوب المشوية، والشيخ يونس يكرّر العلاج ذاته: تنظيف خارجي ومسحة من المرهم، دون أن يكلّف نفسه عناء البحث عن الشظية العالقة في جوف العين.
مرّت الأيام، وصارت عادة، لا بل مصلحة متبادلة: عين معلولة لا تُشفى، وبطن ممتلئة كل يوم بما لذّ وطاب.
وذات يوم، دخل زياد الدكان، فلم يجد الشيخ يونس، بل وجد شابًا في أوائل العشرينات، يقف أمام المرآة ويجرب مقصًا حادًّا على خصلة من شعره، فسأله:
— السلام عليكم، أين الشيخ يونس؟
رد الشاب بابتسامة مهذبة:
— وعليكم السلام، أبي خرج لقضاء بعض الحوائج، أيمكنني خدمتك؟
— هل تتقن الحلاقة والعلاج كما أبوك؟
ضحك الشاب وقال:
— بالطبع، هو من علّمني كل شيء. هل تعاني من ألم ما؟
كشف زياد عن عينه الملفوفة، وقال:
— شظية عظم علقت بها، وأبوك يعالجني منذ أيام.
اقترب الشاب، وأخرج عدسته المكبّرة وأداة دقيقة، ثم قال:
— هل تسمح لي أن أرى؟
وافق زياد دون تردد، وجلس على الكرسي المعتاد. أمسك الشاب رأسه، دقّق النظر، ثم ابتسم وقال:
— ها هي! رأيتها، قطعة صغيرة من العظم، مستقرة تحت الجفن. لا تقلق، لن تأخذ أكثر من لحظة.
وبحركة دقيقة، أخرج الشظية الصغيرة، وضعها على منديل أبيض، ثم غسل العين بمحلول ملحي، ووضع لها قطرات مطهّرة، وقال:
— انتهينا. كيف تشعر الآن؟
فتح زياد عينه ببطء، وإذا به يرى كل شيء بوضوح، انقطع الدمع، وخفّ الألم، وقال مدهوشًا:
— كأنك سحبت شوكة من قلبي، لا من عيني! بارك الله فيك يا ولدي.
عاد زياد إلى بيته ذلك اليوم، مرتاحًا لأول مرة منذ أسبوع، دون أن يحضر معه لحمًا أو كبدًا أو حتى شكرًا، إذ لم يكن ثمة ألم بعد الآن.
وفي المساء، عاد الشيخ يونس إلى دكانه، وسأل ابنه:
— من جاء اليوم؟ هل احتاج أحد للعلاج؟
قال الشاب بفخر:
— نعم، جاء الجزار، زياد الحنفي. كان يشكو من ألم في عينه، ففحصتها وأخرجت منها شظية صغيرة من العظم.
تغير وجه الشيخ يونس فجأة، وشحب، ثم قال بصوت مرتفع:
— ماذا فعلت؟!
— أخرجت الشظية من عينه، يا أبي. ألم يكن ذلك هو المطلوب؟
تنهد الشيخ بعمق، وهز رأسه قائلاً:
— يا بني، لقد كان يأتي كل يوم بلحم وكبد مقابل علاج لا ينتهي، كنتُ أواسيه وأستفيد... أما الآن، فلن يعود. لقد شفي، ولن يحتاج إليّ مجددًا.
تأمل الشاب في وجه أبيه مليًّا، ثم قال ببطء:
— لكنك لم تشفِه حقًا، كنتَ تُبقيه في حالة ألمٍ مزمن ليستمر العطاء!
رد الأب بتهكم:
— ومن يعيش الآن على النية الطيبة يا بني؟!
سكت الابن لحظة، ثم غادر الدكان دون أن يرد.
---
الخاتمة:
في هذه الحياة، ليس كل من يمدّ يده لمساعدتك يريد حقًا أن يشفيك... بعضهم يُبقيك نصف مكسور، نصف مريض، نصف تائه، فقط ليستمر في الحصول على ما يريد منك. فمن لا يُنهي ألمك، وهو قادر على ذلك، فاعلم أنّه لا يطبّبك، بل يقتات عليك.
كن كمن يداوي كي يُغنيك، لا كمن يُداوي ليُبقِيك ضعيفًا محتاجًا.
وذات ظهيرة قائظة من أيام الصيف، وبينما كان زياد يقطّع ضلعاً ضخماً من لحم البقر، تطايرت شظية حادّة من العظم، وانغرست في عينه اليسرى. لم يشعر حينها سوى بوخز حاد كالإبرة، تلاه ألم أشبه بجمرة تستقر في حدقة العين، ودموع سخينة تنهمر بلا إذن.
لم يكن في الحي مستشفى، ولا عيادة متخصصة، وكان الفقراء حينها، إن أصيبوا، قصدوا "الحلاقين" لا الأطباء، فالحلاق كان عندهم موسى وابن سينا في آن واحد. فرك زياد عينه بكم ثوبه، وأمسك عصاه، واتجه فوراً إلى "الشيخ يونس"، الحلاق العجوز الذي طالما اشتهر بتطبيب الجروح وكيّ الحروق وتنظيف الخراجات.
كان الشيخ يونس يجلس في دكانه الضيق، بين جدران مغطاة بالمرايا القديمة وأمشاط الخشب وعبوات الزيوت الشعبية. رفع عينيه حين رأى زياد يدخل يئن ويئن، فابتسم مطمئنًا وقال:
— أهلاً يا أبا معاذ، ما بك؟ تبدو كمن اشتبك مع طائر جارح.
أجابه زياد وهو يتألم:
— شظية من عظم البقر طارت إلى عيني، وكأنها سهم من سهام القدر، ما عدت أرى بها شيئًا، والدمع لا يفارقها.
اقترب الشيخ منه، أمسك رأسه بيدين خبيرتين، وأمعن النظر في عينه المصابة، ثم قال:
— بسيطة، بسيطة إن شاء الله. لا حاجة للخوف، سنعقمها ونضع لها مرهمًا، وغدًا ستكون أفضل.
جلس زياد على الكرسي الخشبي، وبدأ الشيخ بتعقيم العين وتضميدها بقطعة قماش مبللة بمحلول عشبي. وفي اليوم التالي، عاد زياد، وهو يحمل بيده كيسًا كبيرًا فيه كيلو من اللحم وكبدة مشوية، وقال:
— هذا عربون شفاء، ولك مثله كل يوم حتى تطيب عيني.
وهكذا، بات زياد يقصد الحلاق كل صباح، حاملاً معه صنوفًا من اللحوم والكبد والقلوب المشوية، والشيخ يونس يكرّر العلاج ذاته: تنظيف خارجي ومسحة من المرهم، دون أن يكلّف نفسه عناء البحث عن الشظية العالقة في جوف العين.
مرّت الأيام، وصارت عادة، لا بل مصلحة متبادلة: عين معلولة لا تُشفى، وبطن ممتلئة كل يوم بما لذّ وطاب.
وذات يوم، دخل زياد الدكان، فلم يجد الشيخ يونس، بل وجد شابًا في أوائل العشرينات، يقف أمام المرآة ويجرب مقصًا حادًّا على خصلة من شعره، فسأله:
— السلام عليكم، أين الشيخ يونس؟
رد الشاب بابتسامة مهذبة:
— وعليكم السلام، أبي خرج لقضاء بعض الحوائج، أيمكنني خدمتك؟
— هل تتقن الحلاقة والعلاج كما أبوك؟
ضحك الشاب وقال:
— بالطبع، هو من علّمني كل شيء. هل تعاني من ألم ما؟
كشف زياد عن عينه الملفوفة، وقال:
— شظية عظم علقت بها، وأبوك يعالجني منذ أيام.
اقترب الشاب، وأخرج عدسته المكبّرة وأداة دقيقة، ثم قال:
— هل تسمح لي أن أرى؟
وافق زياد دون تردد، وجلس على الكرسي المعتاد. أمسك الشاب رأسه، دقّق النظر، ثم ابتسم وقال:
— ها هي! رأيتها، قطعة صغيرة من العظم، مستقرة تحت الجفن. لا تقلق، لن تأخذ أكثر من لحظة.
وبحركة دقيقة، أخرج الشظية الصغيرة، وضعها على منديل أبيض، ثم غسل العين بمحلول ملحي، ووضع لها قطرات مطهّرة، وقال:
— انتهينا. كيف تشعر الآن؟
فتح زياد عينه ببطء، وإذا به يرى كل شيء بوضوح، انقطع الدمع، وخفّ الألم، وقال مدهوشًا:
— كأنك سحبت شوكة من قلبي، لا من عيني! بارك الله فيك يا ولدي.
عاد زياد إلى بيته ذلك اليوم، مرتاحًا لأول مرة منذ أسبوع، دون أن يحضر معه لحمًا أو كبدًا أو حتى شكرًا، إذ لم يكن ثمة ألم بعد الآن.
وفي المساء، عاد الشيخ يونس إلى دكانه، وسأل ابنه:
— من جاء اليوم؟ هل احتاج أحد للعلاج؟
قال الشاب بفخر:
— نعم، جاء الجزار، زياد الحنفي. كان يشكو من ألم في عينه، ففحصتها وأخرجت منها شظية صغيرة من العظم.
تغير وجه الشيخ يونس فجأة، وشحب، ثم قال بصوت مرتفع:
— ماذا فعلت؟!
— أخرجت الشظية من عينه، يا أبي. ألم يكن ذلك هو المطلوب؟
تنهد الشيخ بعمق، وهز رأسه قائلاً:
— يا بني، لقد كان يأتي كل يوم بلحم وكبد مقابل علاج لا ينتهي، كنتُ أواسيه وأستفيد... أما الآن، فلن يعود. لقد شفي، ولن يحتاج إليّ مجددًا.
تأمل الشاب في وجه أبيه مليًّا، ثم قال ببطء:
— لكنك لم تشفِه حقًا، كنتَ تُبقيه في حالة ألمٍ مزمن ليستمر العطاء!
رد الأب بتهكم:
— ومن يعيش الآن على النية الطيبة يا بني؟!
سكت الابن لحظة، ثم غادر الدكان دون أن يرد.
---
الخاتمة:
في هذه الحياة، ليس كل من يمدّ يده لمساعدتك يريد حقًا أن يشفيك... بعضهم يُبقيك نصف مكسور، نصف مريض، نصف تائه، فقط ليستمر في الحصول على ما يريد منك. فمن لا يُنهي ألمك، وهو قادر على ذلك، فاعلم أنّه لا يطبّبك، بل يقتات عليك.
كن كمن يداوي كي يُغنيك، لا كمن يُداوي ليُبقِيك ضعيفًا محتاجًا.