يقول الله تعالى: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا ﴾ [الإسراء: 31]؛ أي: ولا تقتلوا أولادكم خوفًا أن يصيبكم الفقرُ بالإنفاق عليهم، نحن نرزقهم ونرزقكم، ولستم الرازقين لأولادكم، فلا تخشوا الفقر بسببهم، إنَّ قتلَ الأولادِ ذنبٌ عظيم، وقد كان بعض أهل الجاهلية يقتل أولاده وهم صغارٌ خشيةَ الفقر، وفي الجاهلية المعاصرة بعضُ الناس يُجهِضُ الجنينَ في بطن أُمِّه خوفًا من الفقر، وهذا إثمٌ عظيم، وذنبٌ كبير، وكل من أعان على إجهاض الجنين في بطن أُمِّه فهو مشاركٌ في هذه الجريمة الشنيعة، سواء الأمّ أو الأب أو الطبيب أو غيرهم، ومن وقع في ذلك فعليه التوبة والدية والكفارة. أيها المسلمون، ثم قال الله تعالى: ﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا ﴾ [الإسراء: 32]؛ أي: ولا تقربوا أيها الرجالُ والنساءُ مِنْ فِعلِ الزنا، وابتعدوا عن مقدماتِه ودواعيه من النظرِ الحرامِ والاختلاطِ والكلامِ بِلا حاجةٍ والغِناءِ الماجنِ ومجالسِ الفسق، إن الزنا كان ذنبًا عظيمًا غايةً في القبح؛ في الشرع والعقل والفطرة السليمة، وبئس طريقًا طريقُ الزنا؛ لأنه يؤدي إلى أنواعٍ من المفاسد في الدنيا، والعذابِ والخزي في الآخرة، وتأملوا كيف قال الله: ﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ﴾، فنهى عن أي شيء يُقرِّب من هذه الفاحشة، فهي خطرٌ عظيمٌ، فلا تقتربْ أيها العاقل من أسبابها فيغضب الله عليك، وفي هذا الزمان كثُرتِ الفواحشُ والمنكرات، وصار شياطينُ الإنسِ يتفنَّنون في إشاعةِ الفواحش في وسائل الإعلام ومواقع التواصل، ويروِّجون لها باسم الفن والانفتاح، فلا تشاهدِ ولا تتابع الذين يدعُون الناس إلى الزنا بالرقص والتفاهات، والأفلام والمسلسلات، ﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 27]. ثم قال الله تعالى: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ﴾ [الإسراء: 33]؛ أي: ولا تقتلوا النفس التي حَرَّم الله قتلها إلا إذا استحقت القتل شرعًا. ﴿ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا ﴾ [الإسراء: 33]؛ أي: ومن قُتِل ظلمًا بغير حق فقد جعلنا لولي المقتول في الشرع تسَلُّطًا على القاتل، فهو بالخيار إن شاء قتله قصاصًا، وإن شاء أخذ الدية، وإن شاء عفا عنه، فلا يتجاوز وليُّ المقتول شرع الله فيتعدى بقتل غير القاتل أو يقتلُ بالواحد اثنين أو يقتل القاتل بعد حكم القاضي بأخذ الدية. ﴿ وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ﴾ [الإسراء: 34]؛ أي: ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالطريقة التي هي أحسنُ وأفضل؛ وذلك بالإنفاق عليه منه بلا تبذير، وبإصلاحِه وتنميتِه بالتجارة ونحوها، فإذا بلغ اليتيمُ الحلمَ والرشدَ دفع وصيُّه إليه ماله، ولا يجوز لوصي اليتيم أن يحبِس عنه مالَه إذا بلغ وكمُل عقلُه وتمكَّن من تدبير مالِه. ﴿ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا ﴾ [الإسراء: 34]؛ أي: وأوفوا بالعهود التي عاهدتم الله عليها؛ كالنذور، وأوفوا بالعقود التي بينكم؛ كعقود الإيجار والصلح والبيوع، فالله سيسألكم عنها يوم القيامة. ﴿ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾ [الإسراء: 35]؛ أي: وأوفوا الكيل للناس إذا كِلتم لهم عند البيع وغيره، وأوفوهم حقوقهم بالعدل من غير نقص، وزِنوا للناس بالميزان السوي الذي لا انحرافَ فيه ولا اعوِجاج، ولا غشَّ ولا خديعة، ذلك الوفاء في الكيل والميزان خيرٌ لكم من التطفيف، وأحسنُ عاقبةً لكم في الدنيا بالبركة والسعادة والقناعة، وفي الآخرة بالثواب العظيم في الجنة، ((ومَنْ غَشَّنا فليس مِنَّا))، ومن كثُر مالُه بالغش فهو مالٌ بلا بركة، وسينتقم الله منه ولو بعد حين. ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ [الإسراء: 36]؛ أي: ولا تَتَّبِعْ ما لا علم لك به بمجرد الظن، بل تأكَّد وتثبَّت، ولا تقل أو تفعل شيئًا بمجرد الظن، بلا دليلٍ على صحته، ومن ذلك: الطعنُ في أعراض الناس، وتصديقُ الشائعات، والقولُ في الدين والدنيا بلا علم. ﴿ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ [الإسراء: 36]؛ أي: إنَّ سمعَ الإنسانِ وبَصَرَه وقلبَه سيسأله الله عنها يوم القيامة فيما استعملها، وتُسأل هي عما عَمِل فيها صاحبُها، فتشهد عليه بما عَمِل من خير أو شر. ﴿ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا ﴾ [الإسراء: 37]؛ أي: ولا تمشِ في الأرض مختالًا متبخترًا متمايلًا مُتكبِّرًا، إنك أيها الإنسانُ ضعيف، لن تخرق الأرضَ بشدة وطء قدميك مهما بلغ وزنُك، ولن يبلغَ طولُك طولَ الجبال، فتواضعْ ولا تتكبَّر، واعرفْ قدرَ ضعفِك وعجزِك. ﴿ كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا ﴾ [الإسراء: 38]؛ أي: جميعُ ما ذكره الله في الآيات السابقة من الأوامر والنواهي كان ما نهى اللهُ عنه مكروهًا عند ربك، فلا تتجرأ بفعلِ ما يكرهه الله، بل سارع إلى فعل ما يحبُّه الله ويرضاه. ﴿ ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ ﴾ [الإسراء: 39]؛ أي: هذه الأحكام والأوامر والنواهي التي تضمنتها الآيات السابقة مما أوحى إلى رسوله .. محمدٍ صلى الله عليه وسلم من الحكمة التي تُصلِح الناس في دينهم ودنياهم، وتُسعدُهم وتصلحُ أحوالهم، فلْنعملْ بهذه الوصايا الربانية العظيمة، ولْندعو الناس إليها. ﴿ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا ﴾ [الإسراء: 39]؛ أي: ولا تجعلْ مع الله معبودًا غيره، فتُرمى في جهنم تلومُك نفسُك، ويلومُك الخلق على عبادة غير ربك، مبعدًا مطرودًا من رحمة الله. هذا وصلُّوا وسلِّموا على مَنْ أمركمُ اللهُ بالصلاةِ والسلامِ عليه، فقال سبحانه: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56]. ﴿ سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾