أجل يا رمضان .. أنت طبيب الأجساد و الأرواح
و النفوس ،أنت طبيب الأجساد ..
فيك تتخلص الأجساد من السموم التي تناوشتها طيلة
أيام العام ،و آن لها أن تتخلص منها .
و فيك تتخلص الأجساد من الأمراض التي كان السبب
الرئيسى فيها إدخال الطعام على الطعام و آن لها تستريح
من آثار التخمة .
و فيك تتخلص الأجساد من الأمراض التي كان السبب
الرئيسى فيها الجوع و الحرمان ، فتأخذ ما حُرمت منه من
طعام طيلة أيام العام ، فتغدو مُنعمة في هذا الشهر الفضيل
بما جاد به المحسنون عن طيب نفس و رضى .
و فيك تنتظم شؤون الجهاز الهضمي ..
فيأخذ قسطاً من الراحة ، بعد أن دأب وجدَّ و اجتهد
في خدمة الجسم ،و آن له أن يرتاح من عناء العمل
الدائب ، و الجهد المتواصل ،و ينعم بشيء من الراحة
والسكينة ، و آن للمعدة أن ترمم نفسها .
أجل يا رمضان أنت طبيب الأرواح ..
ففيك تسمو الأرواح بعد أن تحررت من ربقة الشهوة إلى
الطعام و الشراب و الجسد ، فسمت إلى عليين , لتصافح
الملائكة المقربين ،و تسلك مسلكها في العبادة و الطاعة
لله سبحانه وتعالى ،متعالية على جبلتها الطينية لبعض
الوقت،مستشعرة حلاوة الصبر و الطاعة ،
ولا عجب بعد ذلك من أن تراها تعكف على تلاوة القرآن
وذكر الرحمن في كل وقت و آن من آناء ليلك أو نهارك .
وفيك تسمو النفوس عما جبلت عليه من الشح المقيت ،
والبخل الذميم ، فتغدو كريمة خيرة ،تبذل مما أفاء الله عليها ، فتتذكر ـ في مدرسة الجوع ـ البطون التي خوت
طيلة أيام العام ،وتتذكر تلك النفوس التي ربما حقدت
على من نسيهاطيلة أيام العام بسبب ذلك الحرمان
والجوع .
أجل يا رمضان .. أنت مدرسة و أي مدرسة !
أنت مدرسة تهذب الطبائع و الأخلاق وتسمو بالنفوس
و الأرواح ،و تعيد ترتيب العلاقات بين أفراد المجتمع ،
ليكونوا عناصر فاعلة يؤثرون ويتأثرون بكل إيجابية ،
بعيداً عن أوزار السلبية التي تكتنفهم فتشدهم إلى الوراء
و تمنعهم من البذل والعطاء ، و التواصل البناء .
أجل يا رمضان .. أنت معلم التقوى ..
ولا عجب بعد ذلك من أن ندرك الحكمة من أن تكون
مفروضاً على أمة محمد- صلى الله عليه وسلم -
والأمم الموحدة السابقة :
{ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام
كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} ..
فيا سعادة من فهم الدرس ، ووعى المُهمة ،
ولا غرابة كذلك من أن تكون أجور
العبادات الأخرى الحسنة بعشرة أمثالها
إلا أنت يا رمضان ، فالأجر فيك مختلف
لأنه موكول إلى رب العزة تبارك و تعالى :
[كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي و أنا أجزي به